أحمد بن علي القلقشندي

84

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

تهدي إليه سلاما يعزّ عليه أن يتبع بالتعزية ، وثناء يشقّ عليه أن يطارح حمائم سجعه المطربة بحمائم الشّجو المبكية المنكية ، وتوضّح لعلمه ورود مكاتبته المؤلمة ، فوقفنا عليها إلَّا أنّ الدّمعة ما وقفت ، وخواطر الإشفاق عليه وعلى من عنده طفت حرقها وما انطفت ، وعلمنا ما شرحه ولم يشرح الصّدر على العادة - من وفاة الولد فلان ، سقى اللَّه عهده ولحده ، ونضّر وجهه وتغمّد بالرّضوان خاله ( 1 ) وخدّه ، وما بقي إلَّا التمسّك بأسباب الصبر ، والتفويض إلى من له الأمر ، والدّنيا طريق والآخرة دار ودهليزها القبر ، وللمرء من تثبّته وازع ، والاجتماع بالأحبّة الراحلين واقع ، إن لم يصيروا إلينا صرنا إليهم ، وإن لم يقدموا في الدار الفانية علينا قدمنا في الدار الباقية عليهم ، نسأل اللَّه تعالى أن يجمعنا في مستقرّ رحمته ، ويحضرنا مع الأطفال أو مع المتطفّلين ولائم جنّته ، واللَّه تعالى يدارك بالصبر الجميل قلبه ، ولا يجمع عليه فقد الثواب وفقد الأحبّة . الشيخ شهاب الدين محمود ( 2 ) الحلبي : رزقه اللَّه تعالى ثباتا على رزيّته ( 3 ) وصبرا ، وجعل له مع كلّ عسر يسرا ، وأبقاه مفدّى بالأنفس والنّفائس ، وكان له أعظم حافظ من نوب الدهر وأجلّ حارس . المملوك ينهي علمه بهذه النازلة الَّتي فتّتت القلوب والأكباد ، وكادت أن تفرّق بين الأرواح والأجساد ، وأذالت ذخائر العيون ، وابتذلت من المدامع كلّ مصون ، وأذابت المهج تحرّقا وتلهّبا ، وجعلت كلّ قلب في ناري الأسى والأسف متقلَّبا ، وهي وفاة ولده الذي صغر سنّه ، وتزايد لفقده همّ المملوك وحزنه ( طويل ) . ونجلك لا يبكى على قدر سنّه ولكن على قدر المخيلة والأصل

--> ( 1 ) الخال : الشامة في البدن ، والجمع خيلان . القاموس المحيط ( خال ) . ( 2 ) تقدمت ترجمته في الحاشية رقم 2 ص 18 من هذا الجزء . ( 3 ) الرّزيّة : المصيبة ، والجمع الرزايا . مختار الصحاح ( رزأ ) .